ابن أبي الحديد

125

شرح نهج البلاغة

للدين بكاؤه ، وإليه دعاؤه ، ثم هو أوحد للتابعين والمصدقين والمناصحين والمؤازرين ، لان تعصب ( 1 ) الناس موكل بالملوك ، ورحمتهم ومحبتهم موكلة بالضعفاء المغلوبين ، فاحذروا هذا المعنى كل الحذر . واعلموا أنه ليس ينبغي للملك أن يعرف للعباد والنساك بأن يكونوا أولى بالدين منه ، ولا أحدب عليه ولا أغضب له . [ ولا ينبغي ] ( 2 ) له أن يخلى النساك والعباد من الأمر والنهي في نسكهم ودينهم ، فإن خروج النساك وغيرهم من الأمر والنهي عيب على الملوك وعلى المملكة وثلمة بينة الضرر على الملك وعلى من بعده . واعلموا أنه قد مضى قبلنا من أسلافنا ملوك كان الملك منهم يتعهد الحماية بالتفتيش والجماعة بالتفضيل ، والفراغ بالاشتغال ، كتعهده جسده بقص فضول الشعر والظفر وغسل الدرن والغمر ( 3 ) ومداواة ما ظهر من الأدواء وما بطن ، وقد كان من أولئك الملوك من صحه ملكه أحب إليه من صحة جسده ، فتتابعت تلك الأملاك بذلك كأنهم ملك واحد ، وكأن أرواحهم روح واحدة ، يمكن أولهم لآخرهم ، ويصدق آخرهم أولهم يجتمع أبناء أسلافهم ، ومواريث آرائهم ، وثمرات عقولهم عند الباقي منهم بعدهم ، وكأنهم جلوس معه يحدثونه ويشاورونه ، حتى كأن على رأس دارا بن دارا ما كان من غلبة الإسكندر الرومي على ما غلب عليه من ملكه . وكان إفساده أمرنا ، وتفرقته جماعتنا ، وتخريبه عمران مملكتنا أبلغ له فيما أراد من سفك دمائنا فلما أذن الله عز وجل في جمع مملكتنا وإعادة أمرنا ، كان من بعثه إيانا ما كان . وبالاعتبار يتقى العثار ، والتجارب الماضية دستور يرجع إليه من الحوادث الآتية . واعلموا أن طباع الملوك على غير طباع الرعية والسوقة : فان الملك يطيف به العز والامن والسرور والقدرة على ما يريد ، والأنفة والجرأة والعبث